اللغز المثير: قصة رجل الأعمال أحمد الزيات من الخصخصة في مصر إلى إفرايم ديفيد في أمريكا
تُعد قصة رجل الأعمال أحمد الزيات واحدة من أكثر الملفات الاقتصادية والاجتماعية إثارة للجدل والغموض في التاريخ المصري الحديث. فما بين صعود صاروخي في عالم المال والأعمال خلال حقبة الخصخصة، وبين تحول جذري في الهوية والمعتقد خارج الحدود، تتشابك الخيوط لتكشف عن أسرار مذهلة لشخصية جمعت بين النفوذ السياسي، والثروة الطائلة، والعلاقات المعقدة التي عكست كواليس إدارة المال والسلطة في فترة حساسة من تاريخ مصر.
في هذا التقرير الشامل، نغوص في أعماق تفاصيل حياة أحمد الزيات، وكيف تحول من سليل عائلة مصرية عريقة بمحافظة الدقهلية إلى “إفرايم ديفيد” أحد أبرز المتبرعين للمؤسسات الصهيونية في الولايات المتحدة، مستعرضين شبكة علاقاته وثروته التي أثارت تساؤلات الشارع المصري ولا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم.
من هو أحمد الزيات؟ الجذور العائلية والنشأة في محافظة الدقهلية
لم يبدأ أحمد الزيات حياته من فراغ؛ بل ينتمي في أصوله إلى واحدة من العائلات المرموقة والكبيرة في محافظة الدقهلية، وهي عائلة لطالما ارتبط اسمها بالعلم والأدب والتاريخ الوطني المشرف.
عائلة عريقة وتاريخ مشرف: الشيخ أحمد حسن الزيات
عند تتبع شجرة عائلة الزيات، نجد في صدارتها قامة فكرية وأدبية رفيعة، وهو جده الشيخ أحمد حسن الزيات:
-
خريج الأزهر والسوربون: درس في الأزهر الشريف وحفظ القرآن الكريم بالقراءات السبع، ثم حصل على ليسانس الحقوق من فرنسا.
-
تأسيس مجلة الرسالة: هو المؤسس لمجلة “الرسالة” المصرية الشهيرة التي كانت منبراً للفكر والأدب في الوطن العربي.
-
علاقات فكرية بارزة: جمعته صداقات وطيدة بعمالقة الأدب العربي مثل عميد الأدب العربي طه حسين والمفكر عباس محمود العقاد، كما كان عضواً بارزاً في مجمع اللغة العربية.
-
الفخر العائلي: ورغم التحولات اللاحقة في حياة أحمد الزيات الحفيد، إلا أنه ظل طوال حياته يفتخر بجده “الباشا المصري” ولم ينكر يوماً هذه الجذور العريقة.
الانتقال الغامض للدراسة في أمريكا وجامعة يشيفا (Yeshiva)
مع تقدم أحمد الزيات في العمر، اتخذت أسرته في مصر قراراً بإرساله إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته الجامعية، وهنا بدأت أولى نقاط التحول الجذري في مساره الشخصي:
-
الالتحاق بجامعة يشيفا: التحق بجامعة “يشيفا” (Yeshiva University)، وهي واحدة من أقدم وأعرق الجامعات اليهودية في أمريكا، والمتخصصة بتدريس المناهج، والقيم، والمعتقدات الدينية اليهودية.
-
تغيير الاسم والهوية: كشفت السجلات أن اسمه داخل الجامعة وقبل زواجه كان “إفرايم ديفيد” (Ephraim David)، مما يشير إلى اعتناقه للديانة والثقافة اليهودية في مرحلة مبكرة جداً وقبل تكوين أسرته الخاصة.
التحول الكبير: كيف تحول أحمد الزيات إلى “إفرايم ديفيد”؟
لم يكن تغيير الاسم مجرد خطوة لتسهيل الاندماج في المجتمع الأمريكي، بل كان تحولاً كاملاً في الهوية والانتماء، تأكد من خلال اختياراته الاجتماعية والمالية اللاحقة.
الزواج والارتباط بالمؤسسات الصهيونية في نيوجيرسي
تزوج الزيات من سيدة أمريكية تنتمي إلى طائفة يهودية أرثوذكسية متشددة؛ وهي طائفة تحرم تحريماً قاطعاً الزواج من خارج ديانتها، مما يؤكد أن زواجه تم بعد إتمام تحوله الكامل:
-
أسماء الأبناء: أطلق الزيات على أبنائه أسماء غربية ويهودية خالصة (بنجامين، آشلي، جاستين، وإيما)، متخلياً تماماً عن أي أسماء تعكس أصوله العربية أو الإسلامية.
-
إسطبلات الخيول: أسس في أمريكا واحداً من أكبر إسطبلات الخيول العربية والأصيلة، والذي ضم أكثر من 250 خيلاً، وحقق من خلاله شهرة واسعة في سباقات الخيول الأمريكية.
التبرعات السخية للمدارس والمعاهد اليهودية
على النقيض من غياب أي مساهمات خيرية أو مجتمعية له داخل مصر رغم ثروته الطائلة، لمع اسم “إفرايم ديفيد” في الصحافة الأمريكية الصهيونية كـ “رجل خير متبرع بسخاء”:
-
دعم المؤسسات الدينية: قدم ملايين الدولارات تبرعات للمدارس اليهودية والمؤسسات الخيرية الصهيونية، وتم تكريمه مراراً على هذا الدعم.
-
معهد سيناء في نيوجيرسي: من أبرز الوجهات التي حظيت بتبرعاته الباذخة كان “معهد سيناء لذوي الاحتياجات الخاصة” في ولاية نيوجيرسي.
-
الطقوس الدينية: عرف عنه مواظبته المستمرة على زيارة قبر حاخام يهودي شهير، مبرراً ذلك للمقربين منه بأن تلك الزيارات تجلب له الرزق والتوفيق في صفقاته التجارية.
إمبراطورية البزنس في مصر: أسرار حقبة الخصخصة وصفقة الأهرام للمشروبات
في أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، عاد أحمد الزيات ليفرض نفسه على المشهد الاقتصادي المصري، مستغلاً برنامج الخصخصة الذي تبنته حكومة الدكتور عاطف عبيد، ليعقد صفقات أثارت الكثير من علامات الاستفهام.
الاستحواذ على الأهرام للمشروبات وجناكليس بأرقام صادمة
نجح الزيات في تنفيذ واحدة من أكثر الاستحواذات إثارة للجدل في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث:
-
شراء الأهرام للمشروبات: اشترى الشركة بكامل أصولها ومصانعها بمبلغ 231 مليون جنيه فقط، في حين قدر خبراء الاقتصاد وقتها أن أصول الشركة الحقيقية تساوي عشرة أضعاف هذا الرقم.
-
احتياطيات وأرباح ضخمة: كانت الشركة وقت الاستحواذ تحقق أرباحاً سنوية صافية تزيد عن 41 مليون جنيه، وتمتلك احتياطياً نقدياً في البنوك بلغ حوالي 93 مليون دولار.
-
صفقة جناكليس: واصل توسعه بشراء شركة “جناكليس”، والتي كانت تتمتع بهامش ربح مرتفع للغاية وصل إلى 70% على مبيعاتها.
البيع لشركة هينكين الهولندية وتحقيق أرباح خيالية
لم تكن استراتيجية الزيات هي التشغيل والتطوير طويل الأمد، بل كانت قائمة على تعظيم القيمة السوقية وإعادة البيع السريع لتحقيق أرباح استثنائية:
-
بعد سنوات قليلة من الاستحواذ، قام ببيع جزء من شركة الأهرام للمشروبات إلى شركة “هينكين” (Heineken) الهولندية العالمية.
-
بلغت قيمة صفقة البيع حوالي 1.3 مليار جنيه مصري، ليحقق بذلك هامش ربح قياسي تجاوز 500%، وهي الأموال التي تم تحويل معظمها إلى بنوك وحسابات خارجية.
علاقات النفوذ والسلطة: من جمال مبارك إلى صفقات الأراضي
لم يكن الصعود السريع لأحمد الزيات لتمكين إمبراطوريته المالية لحدث دون شبكة معقدة من العلاقات السياسية ونفوذ رجال المال في تلك الحقبة.
كواليس العلاقة مع جمال مبارك ومجلس الأعمال المصري الأمريكي
تشير التقارير إلى أن الزيات سعى بذكاء لبناء علاقة وثيقة مع جمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق:
-
التقرب المستمر: حرص الزيات على التواجد الدائم في دوائر جمال مبارك، وبات أحد المقربين منه في المجالات الاقتصادية.
-
تحذيرات رئاسية: تفيد بعض الروايات المتداولة بأن السيدة سوزان مبارك تدخلت شخصياً وطلبت من نجلها قطع علاقته بالزيات وعدم استقباله في القصر الجمهوري أو خارجه، إلا أن العلاقة التجارية والاقتصادية استمرت في النمو.
-
عضوية المجالس الدولية: قفز الزيات ليتولى عضوية مجلس الأعمال المصري الأمريكي، وهو المنصب الذي منحه غطاءً دولياً ونفوذاً ساعده على مضاعفة استثماراته بين القاهرة وواشنطن لتتخطى ثروته في مقتبل عمره حاجز 11 مليار جنيه.
استغلال غطاء التوزيع لمنتجات الجيش بحسب صحيفة نيويورك تايمز
في تصريح كشف الكثير عن استراتيجيات إدارة الأعمال التي اتبعها الزيات، تحدثت زوجته لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية عن أحد أسرار توسعهم التجاري في مصر.
وأكدت الزوجة في حديثها أن حصول شركة زوجها على حقوق توزيع بعض المنتجات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة لم يكن مجرد استثمار تجاري، بل كان يستهدف الحصول على “غطاء حماية وموثوقية” يضمن لشبكة توزيعهم تجنب التعقيدات البيروقراطية وتأمين مسارات العمل التجاري في السوق المصري.
صفقات الأراضي المشبوهة في طريق إسكندرية الصحراوي والبحر الأحمر
امتد نشاط الزيات إلى قطاع العقارات والأراضي، حيث حقق ثروات طائلة من خلال وضع اليد والتخصيص المباشر:
-
أراضي طريق إسكندرية الصحراوي: استحوذ بوضع اليد على مساحة 420 فداناً على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، ثم قام بتقسيمها وبيعها بالمتر، محققاً أرباحاً بملايين الجنيهات.
-
أراضي البحر الأحمر: حصل على قطعة أرض بمساحة 30 فداناً في إحدى مدن محافظة البحر الأحمر بسعر رمزية بلغ “جنيه واحد للمتر”، ليعيد بيعها لاحقاً بأضعاف ثمنها.
-
استثمارات الفيوم: أنشأ شركة متخصصة في الغاز الطبيعي تعمل في نطاق محافظة الفيوم، وهي المحافظة التي كان يحرص على زيارتها بانتظام خلال رحلاته إلى مصر.
شجرة العائلة والغموض المستمر: ماذا كشف نعى الأهرام؟
عاد اسم أحمد الزيات وعائلته ليثير ضجة واسعة في الأوساط المصرية مؤخراً، وذلك على خلفية البحث والتقصي في شجرة عائلته الممتدة في مصر، وما كشفه إعلان نعى أسري نشر في جريدة الأهرام.
الدكتور علاء الزيات وشريف الزيات: مناصب حساسة واختفاء مفاجئ
قاد البحث في أرشيف الوفيات والإعلانات الرسمية إلى الكشف عن أسماء ومراكز حساسة يشغلها أفراد العائلة داخل مصر:
-
والده (الدكتور علاء الزيات): كشف النعى أن والده هو الأستاذ الدكتور علاء الزيات، والذي تداولت الأوساط الطبية والسياسية معلومات عن عمله لفترة كـ طبيب خاص للرئيس الراحل أنور السادات، بالإضافة إلى عمله كطبيب خاص لأحد الأمراء البارزين في دول الخليج.
-
شقيقه (شريف الزيات): كشف النعى أيضاً أن شقيقه هو رجل الأعمال شريف الزيات، الذي كان يشغل منصب العضو المنتدب للشركة القابضة المصرية الكويتية (المتخصصة في استثمارات الغاز والبترول)، كما امتلك شركة كبرى لصناعة الزجاج (وهو نفس القطاع الذي اهتم به أحمد الزيات وقت الخصخصة).
-
الاختفاء الغامض: ما أثار دهشة المتابعين هو الاستقالة المفاجئة لشريف الزيات من منصبه الرفيع منذ أشهر قليلة دون إبداء أي أسباب واضحة، واختفاؤه تماماً عن المشهد الاقتصادي والإعلامي في مصر.
خاتمة: ديون البنوك المصرية ونهاية إمبراطورية الغموض
في نهاية المطاف، تمثل قصة أحمد الزيات (أو إفرايم ديفيد) نموذجاً صارخاً لتداخل المال بالسياسة، واستغلال ثغرات التحول الاقتصادي خلال فترة الخصخصة لبناء ثروات مليارية وتهريبها إلى الخارج.
لقد أسدل الستار على مسيرة هذا الملياردير بعد وفاته، لكن الملف ترك خلفه شائبة مالية كبيرة؛ حيث كشفت التقارير البنكية أن الزيات حصل على قروض وتسهيلات ائتمانية من البنوك المصرية بلغت نحو 3 مليارات جنيه مصري (في وقت كانت فيه للجنيه قيمة شرائية واقتصادية عالية جداً)، وهي أموال تم تحويل معظمها للخارج ولم تُسدد طوال 25 عاماً.
وعند وفاة أحمد الزيات، حضر ورثته وأبناؤه إلى مصر، وقاموا بعقد تسوية مثيرة للجدل دفعوا بموجبها 3 ملايين جنيه فقط للبنوك، ليتم إغلاق ملف الدين وتصنيفه ضمن “الديون الميتة أو المعدومة”، لتنطوي بذلك صفحة واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للريبة في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث، تاركة تساؤلات مفتوحة حول الرقابة على المال العام وأسرار العائلات الاقتصادية النافذة.
المصدر
-
تم الاعتماد في صياغة هذا المقال على تقارير وتحقيقات استقصائية وثائقية، ومحفوظات الصحافة الاقتصادية المصرية الصادرة في حقبة الخصخصة (أرشيف صفقة الأهرام للمشروبات)، بالإضافة إلى تقارير وحوارات من الصحافة الأمريكية (مثل أرشيف New York Times وتقارير سجلات سباقات الخيول ومؤسسات نيوجيرسي الخيرية)، إلى جانب وثائق وسجلات النعى الرسمية المنشورة في جريدة الأهرام المصرية.
#أحمد_الزيات #الخصخصة_في_مصر #الأهرام_للمشروبات #إفرايم_ديفيد #أسرار_الاقتصاد_المصري
الكلمات الدلالية الرئيسية
-
قصة أحمد الزيات وإفرايم ديفيد
-
صفقة خصخصة الأهرام للمشروبات
-
رجال الأعمال في عهد مبارك